ابن أبي الحديد

91

شرح نهج البلاغة

ان قلبي لكم لكالكبد الحرى * وقلبي لغيركم كالقلوب وقد ذهب كثير من الناس إلى غير هذا المذهب ، فجعلوا بعض البلاد أحق بالانسان من بعض ، وهو الوطن الأول ومسقط الرأس ، قال الشاعر : أحب بلاد الله ما بين منبج * إلى وسلمى أن يصوب سحابها ( 1 ) بلاد بها نيطت على تمائمي * وأول أرض مس جلدي ترابها . وكان يقال : ميلك إلى مولدك من كرم محتدك . وقال ابن عباس : لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ، لما اشتكى أحد الرزق . وكان يقال : كما إن لحاضنتك حق لبنها فلأرضك حرمة وطنها . وكانت العرب تقول : حماك أحمى لك ، وأهلك أحفى بك . وقال الشاعر : وكنا ألفناها ولم تك مألفا * وقد يؤلف الشئ الذي ليس بالحسن كما تؤلف الأرض التي لم يطب بها * هواء ولا ماء ولكنها وطن . أعرابي : رملة حضنتني أحشاؤها ، وأرضعتني أحساؤها . كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه ، وتطرحه في الماء إذا شربته ، وكذلك كانت فلاسفة يونان تفعل . وقال الشاعر في هذا المعنى : نسير على علم بكنه مسيرنا * بعفة زاد في بطون المزاود ( 2 )

--> ( 1 ) معجم البلدان 8 : 180 في ثلاثة أبيات نسبها إلى بعض الاعراب . ( 2 ) العفة : بقية اللبن في الضرع بعد أن يحلب أكثر ما فيه .